حقيقة تعامل السعودية والخليج مع اليمن ونتائجه..!
عبدالكريم المدى
عبدالكريم المدى
* الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية استهانت باليمن وقللت من شأنه، بل وحاربته بطريقة غبية ومهينة ووقحة، وتركته خلال العقود الماضية يُصارع الفقر والجوع والحرمان والمرض وشحّة الموارد والكثافة السكانية المرتفعة التي كتمت أنفاس الدولة، وما صاحبها من فساد وضعف في النظامين القضائي والتعليمي.

ولم تعمل -أيضا- هذه الدول العائمة فوق بحيرات من النفط والغاز على استيعاب بلد جار وكبير بصورة حقيقية وجادة يمكن أن تفيد كل الأطراف، وتؤدي في النهاية لاستقرار المنطقة وتحصينها من التدخُّلات الخارجية.. ومن باب الإنصاف علينا أن نستثني هنا دولة الكويت التي كانت تُقدّم دعماً كبيراً للشعب اليمني وبدون شروط مسبقة ، أو مقابل لها، وهذا طبعاً إلى ما قبل العام (1990م) وبعدها تغيرت الأمور بسبب موقف اليمن والرئيس السابق علي عبدالله صالح من غزو العراق للكويت والحرب التي شنّتها أميركا والغرب على عراق صدام حسين.

* تعالوا للمفيد.. آلاف المليارات من الدولارات تستثمرها وتودعها هذه الدول المتخمة بالدولارات والثراء (بشقيها الرسمي والخاص) في بنوك أميركا وأوروبا وآسيا ولم تكلف نفسها وتعمل على توجيه أقل من 1% منها للاستثمار في اليمن، أو على الأقل تُسهّل استيعاب الأيدي العاملة اليمنية وتؤهّل من يحتاج منها للتّأهيل، بدلا من استيعاب وتأهيل ملايين العمّال الآسيويين الذين مسخوا هوية الخليج وثقافته بشكل صادم ومخيف، مستفيدين من التسهيلات اللامحدودة التي مهدت لهم ،و بدون هدى ولا وعي - كل السُبل والمناخات لدرجة أن أربع دول منها وضعت تشريعات ربط بيع العقار فيها بالإقامة لتمنح بذلك الشركات كل ما تحتاجه لتغير التركيبة الديمغرافية للمنطقة وكذا براءة اختراع غيرت بموجبها تركيبة سكان تلك الإمارات التي تأسست في حالة غفلة من الزمن، وربما أنها في الطريق للاندثار، فالعنصر الأجنبي يقوم، وعلى مرأى ومسمع من الجميع بطمس هويتها الوطنية والعربية وحتى الدينية، لمصلحة طوفان البشر المتدفقين نحوها، الذين جعلوا مُدناً كدبي وعجمان والكويت والبحرين والرياض ومكة وجدة والدمام وأبو ظبي وغيرها بدون ملامح، تُقتلع، وبسرعة فائقة، ما تبقّى من جذور هويتها العربية، وتتحول لمدن شرق آسيوية سائبة، وهذا ماجعل الدكتور والمفكر الكويتي/ سليمان العسكري ذات يوم يعتبرها مدن ترانزيت ليس لها هوية ولا تاريخ.

* المهم كان بإمكان هذه الدول ، تجنّب ما نمرّ وتمرّ به المنطقة حالياً من تفكُّك وصراعات تنظر لها السعودية وأخواتها الصغرى بأنها تهديد لأمنها القومي، ومصدره، بالطبع (العدو إيران) ولو كان أمراء الصحراء والذهب الأسود أدركوا أهمية اليمن وخطورة تركها بتلك الحالة لإيران، لكانوا سلموا وأسلمونا من كل ما يحدث اليوم من صراعات وعذابات ودماء، وتجنّبوا -أيضا- الدخول في حرب قذرة وغاشمة يشنونها بصورة مباشرة وغير أخلاقية ضد هذا الشعب الذي يستهدفون سيادته ويبطشون بمقدرات دولته التي تسبقهم في كُتب التاريخ والواقع والإرث الحضاري بأكثر من (6000) ألف سنة.

* نعم لو كان النظام السعودي والخليجي يفكّر بطريقة شبه محترمة، وشبه لائقة لكان جنّب نفسه الدخول في هذا النفق الذي يرتكب فيه جرائم وحشية بحق الإنسانية، جرائم حرب مكتملة الأركان يخلفها حصاره وطائراته كل يوم في قرى ومدن هذا البلد الذي يُقتل أبناؤه الأبرياء وتُدمّر مدنه وإرثه الحضاري والإنساني وبنيته التحتية ومنشآته ويُرهب أطفاله الذين سيكبرون وتكبر في نفوسهم كراهية شيء اسمه (السعودية) ودول الخليج (العربي)، فأطفال اليوم قادة الغد سينظرون لهذه الدول على أنها عدوة لدودة مارست أبشع أنواع التنكيل بحقهم وبحق وطنهم ،بغض النظر عن المؤيدين لعاصفة (محمد بن سلمان)، وكم عددهم وما هي أسبابهم.!

* أعتقدُ أنه لو فكرت الدول الخليجية مرة واحدة بطريقة عقلانية وعلمية تستشرف من خلالها المستقبل وتقرأ التاريخ والواقع لكانت استوعبت اليمن في مجلس التعاون الخليجي، على الأقل، قبل (20) عاماً من اليوم، بدلاً من سرقة تراثه وفلكولوره والتنكر له والتعامل مع ملف الانضمام لمنضومتها بطريقة فيها الكثير من التحقير والاستمتاع بمعاناة اليمنيين ومطالبهم واستعطافاتهم ،التي طالما قٌبِلت بتكبُّر وغرور وارهاق وإهمال وجفاء.

أقول وبكل شفافية إن هذه الدول الكرتونية لا تفكر ولا تستفيد من تجارب التاريخ ودروسه ولا تستحق ما وهِبت من ثروة طبيعية هائلة لم تحافظ عليها، أو توظفها بشكل صحيح كي تستفيد منها بالدرجة الأولى والأمة وقضاياها الكبرى بالدرجة الثانية.

* كلمة للتاريخ ..الخليجيون لم يفكروا يوما بعقلية الدول الناضجة التي تعدّ الدراسات وتمضي للأمام وفقاً لاستراتيجيات واضحة غير استراتيجيات مهرجانات الجنادرية وسباق الجِمال (بكسر الجيم) وملاحقة وتتبع آخر الابتكارات في عالم أدوات التجميل الفرنسية والغربية والأكلات والغوص عميقاً في الملذات والنعيم الزائل، لأنهم لو فكروا وفقا لمقتضيات العصر والتحولات لكانوا أمِنوا من الغول الإيراني والحوثي والقاعدة وغيرها، وإن حصل أي تهديد من هذا القبيل، فسيتدخلون، كما يتدخلون اليوم وهم مرفوعو الرأس، يمتلكون غطاء أخلاقياً يستمدُّ من مواثيق واتفاقيات يقوم عليها مجلس التعاون الخليجي، ولكان تدخُّلهم - أيضا - مشرعن بشيء من التأييد الشعبي الحقيقي، غير هذا التأييد الوهمي الذي حصروه باستضافة عدد من الشايخ وأدعياء من الكُتّاب والمثقفين في فنادق الخمسة نجوم في الرياض والدوحة وجدة والقاهرة وأسطنبول وغيرها.

* ومن المفيد هنا التوضيح والتذكير بأن السعودية والخليج طوال الأربعين السنة الماضية، قد حصروا واختصروا الشعب اليمني في كشوفات (اللجنة السعودية الخاصة) التي تحتوي على طابور من المشايخ والوكلاء وقُطّاع الطرق الذين أجزلت -وما تزال- لهم العطايا وتمنحهم كافة الامتيازات، فيما شعب اليمن الصابر ،الذي يكاد يتضور جوعاً ويعيش أقسى أنواع الحرمان، لم تقدم له شيئاً ذا بال، بل قُل لم تعامله كشعب يمتلك كل مقومات الشعوب العريقة، شعب كريم وطيب لا يتنكّر للجميل والمعروف، ولو أدركوا هذه الأشياء لكانوا كسبوه وكسبوا ودّه وثقته وسيفه.

* الخلاصة لم تكن اليمن يوماً في نظر السعودية أكبر وأهم من كشوفات (اللجنة الخاصة) ونتيجة لذلك ففي ظنّي أن لسان حال الكثير من أبناء الشعب اليمني اليوم يقول ليس لدينا ما نخسره، فقد تعرضنا طوال العقود الماضية لكل صور الإذلال والتهميش والإهانات في مطارات دول الخليج ومدنه، وتمت معاملة من ساقتهم الأقدار من أبنائنا للعمل لدى هذه الدول بطريقة السّخرة والعبيد. وما يدرينا قد تكون هذه هي مرحلة دفع الثمن وزوال السلطان، وما بعد الكمال إلا النقصان، ولنا في ذلك أسوة مرثية أبي البقاء الرندي في الأندلس التي يقول في مطلعها :

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ
فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هي الحياة كما شاهدتها دُولٌ
مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ
وهذه الدار لا تُبقي على أحد
ولا يدوم على حالٍ لها شان
يُمزق الدهر حتمًا كل سابغةٍ
إذا نبت مشْرفيّاتٌ وخُرصانُ.


في الخميس 18 يونيو-حزيران 2015 04:28:59 م

تجد هذا المقال في خولان برس
http://khawlanpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://khawlanpress.net/articles.php?id=207