إلا في اليمن..!
أحمد ناصر الشريف
أحمد ناصر الشريف
في كل بلاد العالم بما فيها تلك الدول الأكثر تخلفا تحرص الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية فيها ان يكون تنافسها على خدمة قضايا الشعوب والأوطان وتقديم برامج سياسية يكسبون من خلالها ثقة الجماهير وجعل مصالح الأوطان فيها فوق أي اعتبار ذاتي مهما كانت أهميته إلا في اليمن التي تكاد تكون الدولة الوحيدة في هذا العالم المترامي الأطراف المتأصلة فيها ثقافة الفيد وأصبحت محل تنافس الجميع من اكبر مسؤول الى أصغر مسؤول.

والكل ينظر الى المنصب الذي يمكنه الوصول اليه بعين: كم سيجمع من الثروة وكم سيوظف من الأقارب والأتباع والأنصار ولتذهب مصلحة الوطن الى الجحيم.. وهو ما يذكرني بما سبق ونشره الصحفي العربي جلال كشك في مجلة: الحوادث اللبنانية الذي زار اليمن بداية السبعينيات من القرن الماضي في عهد القاضي عبدالرحمن الارياني رئيس المجلس الجمهوري الأسبق رحمه الله حيث قال: ان الموارد المتاحة في اليمن محدودة وليست كمثيلاتها في الدول المجاورة يمكن ان تكفي للتنمية الوطنية والتنمية الذاتية في وقت واحد ومع ذلك فقد غلب المسؤول اليمني التنمية الذاتية على التنمية الوطنية.

صحيح ان الشهيد ابراهيم الحمدي رحمه الله حاول خلال فترة حكمه القصيرة جدا مقارنة بما سبقها ولحقها من فترات حكم طويلة ان يحارب الفساد للحد من استشرائه حيث قام بتشكيل لجان التصحيح الاداري والمالي التي استطاعت ان تعمل على محاصرة هذه الظاهرة المخيفة لكن مع الأسف.. المستفيدون من ممارسة الفساد وتسخير امكانيات اليمن المحدودة لخدمة مصالحهم الخاصة تآمروا عليه وتخلصوا منه بالاغتيال في ظروف لا تزال ملابساتها غامضة الى اليوم رغم مرور اكثر من 37 عاما على واقعة الاغتيال وهو ما يؤكد ان المؤامرة على الشهيد الحمدي ونظامه كانت كبيرة جدا شاركت فيها الى جانب الأطراف المحلية أطراف اقليمية ودولية بدليل ان ملف اغتياله لا يزال طي الكتمان تحيط به السرية الكاملة ولم يجرؤ أي طرف سياسي في اليمن - خصوصا اولئك الذين كانوا يتباهون بأن الشهيد الحمدي كان قريبا منهم ويتبنى فكرهم السياسي- ان يطلب رسميا فتح التحقيق في هذا الملف حتى اللحظة.. كون اغتيال الشهيد الحمدي هو اغتيال لمشروع وطن بأكمله.

ويرجع هذا التخوف من قبل القوى السياسية التي تدعي ظاهرا انها وطنية وما تبطنه عكس ما تقول الى ان الذي لا يزال صاحب المصلحة الأولى في اتخاذ القرار وصنعه يتمثل في قوى خفية مرتبطة بالخارج هي جزء من المنظومة التي كانت تتحكم في مقاليد الأمور خلال فترة الأربعة العقود الماضية ومن الصعب على أي طرف سياسي جديد التخلص منها بسهولة وفي وقت قريب وان تغيرت بعض الوجوه لتحل محلها وتنتهج اساليب سياسية مختلفة للتضليل وكسب الوقت بدليل انها استطاعت ان تلتف على ثورة الشباب التي اندلعت في 11 فبراير عام 2011م وتغيب اهدافها تماما لتضمن بقاءها في السلطة.

وهي نفس القوى التي تقف في وجه عملية التغيير التي يشهدها الشعب اليمني اليوم الهادفة الى تحرير القرار السياسي اليمني من الخارج عليه ووضع حد نهائي للوصاية التي فرضت على اليمن منذ عدة عقود والتوجه الفعلي نحو بناء دولة قوية وعادلة تكفل المواطنة المتساوية للجميع وتتيح لكل ابناء الشعب المشاركة في البناء والتنمية والاعتماد على النفس بالدرجة الأولى بعيدا عن اذلال الخارج لليمنيين من خلال ما يقدمونه لهم من مساعدات مشروطة يلحقونها بالمن والأذى وان كانت لاتصل الى الشعب اليمني مباشرة ليستفيد منها في عملية التنمية وانما تذهب الى جيوب النافذين والفاسدين.

وعليه فإن القوى الغارقة في الفساد الى اذنيها لا يمكن ان تسلم بسهولة وتتخلى عن مصالحها غير المشروعة لاسيما تلك التي استطاعت ان تبقى على رأس الأحزاب والتنظيمات السياسية لقيادتها منذ أمد بعيد ولا تسمح بإفساح المجال للشباب ليحدثوا تغييرا داخلها يتواكب مع متغيرات العصر والتماشي مع ما يشهده من تطورات.. ولذلك نجدها اكثر المعرقلين في الوصول الى حلول لمشاكلنا وقضايانا المعقدة او بمعنى أصح التي تعمل على تعقيدها.

أما تلك الأحزاب الصغيرة التي كثرت مسمياتها على الساحة اليمنية فهي في الواقع كما سبق واشرنا اليها في مقال سابق مفرّخة من جهات متعددة تدور في فلكها وتستقوي بها، ولذلك سيظل تأثيرها محدوداً ما لم تستقل بشأنها عن الجهة الحزبية أو الحكومية التي كانت سبباً في وجودها على أرض الواقع للاستعانة بها عند التنافس على المناصب الحكومية وإن كانت لا تحصل إلا على الفتات منها.

ونعتقد لو أن كل هذه الأحزاب والتنظيمات السياسية وما أكثرها في اليمن بغض النظر عن ارتباطها بالخارج أخلصت النية وعملت على خدمة القضايا الوطنية وجعلت لها في برامجها أولوية على قضاياها الخاصة لاستطاعت أن تعمل شيئاً يكسبها ثقة أبناء الشعب اليمني لكن - كما يُقال - المجرّب لا يُجرّب.

وإذا لم تغير من نهجها السياسي المتمثل في شخصنتها فإن الفشل سيظل حليفها الدائم ولن تخرج من النفق المظلم الذي اختارت السير فيه لاسيما وأن وضع اليمن الاقتصادي والاجتماعي اليوم لا يحتمل قيام نظام حزبي تعددي على الأقل في الوقت الراهن بل ولن يجد مثل هذا النظام الحزبي القائم في ظل هذا الوضع غير المهيأ فرصته الحقيقية لدفع حركة التقدم والتطور إلى الأمام وصولاً إلى بناء دولة وطنية قوية وعادلة تخوض معركة البناء والتنمية.

إننا بحاجة إلى قوى سياسية قادرة على أن تقدّم شيئاً للشعب والوطن يثق فيها الجميع بعيداً عن تسخير نفسها ووسائل إعلامها لتصفية الحسابات مع هذه الجهة أو تلك من خلال خطاب إعلامي يسيء إلى سمعة الوطن بالدرجة الأولى ولا يحرك شعرة واحدة في رؤوس الفاسدين والمفسدين..؟!!

كما نريد من المواطن اليمني نفسه أن يتعصّب لوطنه ولحقوقه المشروعة كما يتعصّب للمذهبية والحزبية والمناطقية التي تجعله يقاتل ويقتل من أجلها وهو لا يعرف على ماذا يدفع حياته ثمناً لتعصبه دون وعي؛ وإن كان هذا يدلُّ على أنه تم تجهيل الشعب اليمني علمياً ووطنياً وتاريخياً، فلا بقي أمياً ليتعامل مع ما يجري من أحداث مأساوية بالفطرة التي خلقه الله عليها؛ ولا صار متعلماً لينظر نظرة واعية تجنبه الوقوع في المصائب والكوارث التي يجلبها على نفسه بتصرفاته الحمقاء ..!

alsharifa68@yahoo.com


في الأربعاء 25 مارس - آذار 2015 12:11:55 ص

تجد هذا المقال في خولان برس
http://khawlanpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://khawlanpress.net/articles.php?id=187