محنة اليمن .. ودور محيطها الخليجي والعربي
عبدالكريم المدى
عبدالكريم المدى
في أواخر ستينيات القرن الماضي تقدمت المملكة العربية السعودية برؤية ومبادرة لحل الصراع الذي كان قائما حينها بين الجمهوريين وما كان يعرف بالإماميين ، وبالفعل استطاعت المملكة التي كانت تدعم حينها فريق الإماميين ، أن تساعد الطرفين وتساهم في ايجاد أرضية وقواسم مشتركة وإن شئتم القول تقاسم السلطة ، وإن كان بصورة غير معلنة ، أو مفضوحة ، كما هو الحال مؤخراً مع مبادرات وحلول تطرح ويتم الاتفاق حولها بين فرقاء العمل السياسي ، سواء كان ذلك في اليمن ، أو خارجها.

صحيح لم يكن ذلك الصراع " الجمهوري " - " الملكي " (الإمامي) يكتسب هذا الكم من التناقضات والتحديات والتعقيدات والتراكمات والكراهية الحاصلة حاليا في المشهداليمني ، لكن ، على الأقل ، يمكننا القول إن ذلك يظل صراعا ،وما يجري اليوم أيضا يظل صراعا يغلب عليه نزعة العنف والعمليات الإرهابية والمواجهات المسلحة والمعلنة بين الجميع تقريباً وضد الجميع.

المهم أيا كان هناك من فروق جوهرية أو شكلية ، نستطيع التأكيد بأن ما كان يدور في تلك الفترة من صراع مرير على السلطة وتكتلات هنا وأخرى هناك، وحلفاء خارجيين للطرفين، على المستوى الإقليمي والعربي ( السعودية - مصر ) والغربي والشرقي ( أميركا - الاتحاد السوفيتي- بريطانيا - إيطاليا ) ولا ننس إسرائيل التي كانت - أيضا - داخلة على خط الأزمة ، إلا أن الأطراف السياسية ، بمساعدة الشقيقة الكبرى (السعودية) و مصر ، قد تمكنتا من الالتقاء والتوافق على المشتركات وإدارة حوارات جدا عقدت على إثرها مؤتمرات ولقاءات بناءة ، ومنها مؤتمر خمر؛ الذي توقفت بعده أصوات الرصاص وهدير المدافع، ليدخل اليمنيون أفواجاً في طريق السلام والتعاييش وتقاسم السلطة بشكل أنيق ومهذب ، بدون شراهة من تلك التي تفقد الشراكة معناها والإنسان قيمه والمبادئ وهجها والثوابت روحها. وهكذا تم تجاوز تعقيدات ذلك الوضع السياسي وماكان يصاحبه من مثبطات كالجهل والأمية والوعي المتدني.

فعلى الرغم من وجود تلك التحديات، إلا أن ساسة ووجهاء ومثقفي ذلك العهد كانوا أكثر حكمة وحرصاً على دماء الناس وتعايشهم وأفضل بكثير مما نحن عليه اليوم ، رغم ما نتمتع به من وسائل الإتصال الحديثة والتوعية المختلفة التي نقر أنها أضرت بنا أضعافاً مضاعفة مما أفادتنا.

علينا أن نعتبر ونعترف في آن واحد بأننا يومها وضفنا التدخل الخارجي - مهما أختلفنا حول درجة سلبياته ، أو إيجابياته - لصالح حقن الدماء والتعاييش ولم نكن منكشفين عليه بمستوى انكشافنا اليوم ، ولم تكن - أيضا - سموم المذهبية والتأثيرات الخارجية الأيديولوجية والإثنية قد تربعت في بعض الإنحاء من الوطن ، وبعض زوايا العقول والأفئدة وعلى صدور صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية وشاشات التلفزة وإذاعات ( إف - إم )، وخطب الجمعة والمحاضرات ، ومعها التفجيرات المختلفة في الساحات والمراكز الثقافية وبيوت الله بهذا السفور والبشاعة والجنائزية، الإجرامية المريعة التي صارت تكدر صفو تعايش اليمنيين وتسامحهم الممتد لأكثر من (1400) سنة.

نعم لم تكن هذه الجرائم قد فعلت ما فعلته اليوم في النسيج الاجتماعي وفي التآلف والفكر ولغة الخطاب وغيره. على أية حال لا نريد أن نستغرق في ذكر تفاصيل وعوارض مرضية معاشة قد يكون الجميع يعلمها ويعاني منها ، بقدرما نريد أن ننبه لإمكانية وجود حلول وتفاهمات تمكننا من إيجاد العلاجات المناسبة لها ووضع حد لهذا الشقاق والتدهور السياسي والأمني والاقتصادي وما يصاحبه من مخاطر على وحدتنا الوطنية والاجتماعية والثقافية.

وما أشرت إليه في مضامين حديثي هذا من إطلالة تاريخية ، إلا من باب التذكير،بأنه من الممكن حل هذه المشاكل والاتفاق على مخارج آمنة بمساعدة الخارج الإقليمي والعربي والدولي ، شريطة أن نحسن توظيفه بما يخدم قضايانا وأمننا ويصون سيادتنا، خصوصا وأن معظم الأطراف الخارجية التي نتهمها حاليا بالتدخل في شؤوننا بصورة أو بأخرى كانت متدخلة بشؤننا ، أيضا ، بعد ثورة سبتمبر وقبلها .. بقي أن أضيف وأقول : نستطيع حل هذه الأزمة الخانقة والمبعثرة الأوراق ، والمتعددة الرؤوس كحيوان الهيدرا ، ولكن بعد أن نتخلى عن أسباب العناد والمكابرة وتسعير الصراع وتوجيه بنادق وسهام الاتهامات بالمؤامرات والخيانات تجاه بعضنا البعض ..سيما وأن معظم الأطراف الفاعلة تقريبا ، متحالفة مع قوى خارجية ولديها خطوط ساخنة معها وتتلقى الدعم ( والجميع يعرف نوعية وحجم الدعم الذي يتلقاه كل طرف ) ودعونا من الفضائح وكشف المستور.

لهذا يتوجب على كل طرف الاعتراف ، ولو مع نفسه ، بأنه ليس هناك - كما يقال - حد أحسن من حد، الكل يتحمل المسؤلية ، والكل في مركب واحد ولن ينجو البعض ويغرق البعض الآخر ، فزمن المعجزات والآيات الربانية التي خصها الله سبحانه وتعالى بأنبيائه عليهم الصلاة والسلام ، قد ولّت.

لو سمحتم ممكن يخصص كل شخص فاعل ومؤثر دقائق من وقته ويتأمل بجدية في أوضاع بلادنا ومعانات أبنائها التي تتداعى بشكل مخيف ومحبط، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، هناك أكثر من (4) ملايين طفل في سن التعليم خارج مدارسهم النضامية، وهناك تدهور حاد في مستوى الخدمات المقدمة من الحكومة للمواطنين، حتى الخدمات التي يدفع الناس قيمتها كالكهرباء والمياه، صارت شبه منهارة، ناهيك عن الخدمات الصحية المنعدمة والمشاريع التنموية المتوقفة، وعدد الجوعى الذين ينضمون كل يوم لكشوفات وطوابير الأشد فقرا وعوزا وحاجة.

نحن أمام كوارث ومخاطر حقيقة ، فالوحدة الوطنية على الهاوية ومؤسسات الدولة تكاد تكون منهارة (وعلى الله الدرك وحسن الخاتمة بس) ولا داعي لأن نكرر ونقول لكم: إن الجيش والأمن مفككان، وفي وضع أسوأ من السوء ذاته ، أو إن الإيرادات الحكومية تراجعت بنسبة تزيد عن (50) في المئة ، أو إن التجارة هي الأخرى في حالة كساد، وثقة العالم بنا صارت صفر، والاستثمارات الخارجية والداخلية هي الأخرى صفر على الشمال.

حياتنا تعاني وعلى الأحزاب أن تستغل - دعونا نقول الاهتمام والمخاوف والمصالح الخارجية في بلادنا - لصالح الوطن وليعلن الجميع ترحيبهم بكل الأفكار الصادقة، الاقليمية والدولية المشجعة لاقامة حوار يمني، يمني ينقذ البلد من شر الفوضى والطائفية والتمزيق والشتات.


في الثلاثاء 24 مارس - آذار 2015 11:44:08 م

تجد هذا المقال في خولان برس
http://khawlanpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://khawlanpress.net/articles.php?id=186